خيالات كُتّاب 1/2 ؛ أساطير ~
مذ كنت صغيرة وأنا أحلم –لا بالكتابة- بل بالكُتاّب !
كنت أتخيلهم أناساً يحملون أقلامهم كعصاً سحرية تخرج منها نجومٌ وأشياء تلمع، ويسكنون في أماكن أسطورية شاهقة ومرتفعة، كتلك الغرفة العالية التي سكنتها أميرة بشعر طويل..طويل بما يكفي ليمتد من نافذتها إلى الأرض..
وحين كبرتُ قليلاً، قليلاً بما يكفي لأكذّب الأساطير، كنت أتصور الكُتاب أناساً “بهالة” معينة يمكن تمييزهم من بين آلاف البشر!
كنت أتخيلهم في غرفهم المعتمة إلا من ضوء شمعة، يكتبون بريشة ومحبرة على منضدة قديمة، ويحكُّون رؤوسهم كثيراً في أثناء ذلك..
ثم كبرت أكثر، أكثر بما يكفي لأدرك أن ليس ثمة صورة “نمطية” للكتاب أو طقوس متداولة، لكن..مازلت أتخيلهم بـ”ميزة” معينة، بـ..إممممم…ملامح معينة، أو لأقل؛ بعنصر ما لا يمكن تحديده تماماً لكنه يكون موجوداً فيهم! عنصر كالملامح الرقيقة والحساسة مثلاً، أو العينين اللتين تقتنصان المواقف والحركات، أو يد تعبث بالشعر بطريقة معينة..المهم، أن ثمة ما “يفضح” أقلامهم المخبأة في جيوبهم..
كنت أتخيل كل ذلك، حتى؛
:
صار يُقال بأنني “كاتبة”!
لأنسف قصور خيالاتي تلك..
وأوقن بأن الكتاب يمكن أن يكونوا أي أحد، أي شخص، أي شيءٍ عادي؛
:
عادي جداً وغير ملفت..
× حدّثوني عن خيالاتكم.. و..كيف ترون الكُتّاب !
=)
لأن الغياب؛ حالة مؤقتة..
تقول منال الزهراني :
التوقف عن الكتابة – تدويناً – ( غلطة! ) في غالبها ، فاتنة لكنها تشعر أناملك في كل لحظة أنها …
(مُذنبة!)
و..أتفق معها تماماً..
الغياب -مهما كانت أسبابه وتعددت- والتي في الغالب تبدأ بشيء كبير، ثم تنتهي بكسل واعتياد على الغياب، لكنه ليس مهماً بقدر ما هي العودة مهمة..
ولذا الموت مهم؛ لأنه غياب بلا عودة..!
<<بدأت أهذي ع هالصبحية ^^”
لا يهم؛
المهم هو أنني اشتقت للمكان الذي منحني الكثير..
اشتقت للأحرف التي تطقطق بها أناملٌ من مختلف الأماكن وعلى مختلف التوجهات..
واشتقت للتعبير بحرية، وللآراء الحرة التي تعبر أيضاً..
فـ بعد طول غياب؛
ها أنا أعود، هذه المرة طالبة في العام الخامس في الرواق الأبيض، وانتهيتُ من تخصصَي “العيون”، و”الأنف والأذن والحنجرة”، وسأبدأ في “النساء والولادة” !
أشعة “فكرية”..

^ الأسهم الخضراء تشير “للحجاب الحاجز” =)
<< وضعت الصورة لتعيشوا معنا “الجو“ ^^
كنا على موعد مع المحاضرة العملية في قسم الأشعة..
بعد أن تُهنا قليلاً في “سراديب” المستشفى وممراتها، وصلنا أخيراً..(بالمناسبة؛ لِم دائماً يكون الوصول لقسم الأشعة صعباً؟! أذكر أنني كنت دائماً “أضيع” قبل أن أصل، فأصل مرتبكة وتزيدني الغرفة المظلمة بأجهزتها الكبيرة ارتباكاً!) << حين كنت “مريضة” أعني -سيكو
حدثتنا الدكتورة عن كيفية قراءة صور الأشعة –وتحديداً أشعة الصدر. علمتنا كيف نفسر كل تلك الخطوط وتدرجات الألوان الرمادية والسوداء، ثم سألتنا:
= لِم الحجاب الحاجز مرتفع في الجهة اليمنى عن اليسرى؟ (^ راجعوا الصورة =) )
أجبناها على سؤالها الذي شعرنا أنه “بديهي” جداً:
- لأن الكبد يقع في الجهة اليمنى، فبالتالي يرفع الحجاب الحاجز!
هي:
= صحيح! الكبد في الجهة اليمنى، والمعدة في الجهة اليسرى..طيب أخبروني؛ هل الكبد عضو “مجوف” أم “صلب”؟
أجبنا بلا تفكير:
- صلب!
= والمعدة؟!
- مجوفة طبعاً!
= طيب..أليس من المفترض –ولأن المريض في وضعية الوقوف واستنشاق الهواء عند إجراء الأشعة- أن ينزل الكبد “الصلب الثقيل” لأسفل، بينما ترتفع المعدة “المجوفة الخفيفة” والتي تحوي غازاتٍ لأعلى؟!
صمتنا! حديثها منطقي جداً..وفي محاولة لاختراق صمتنا الجاهل، انطلقت الإجابات العشوائية:
- ممم..ربما لأن الكبد كبير فلا ينزل!
* أو لأنه ثابت في مكانه بأوتار وأربطة!
تبتسم، وتوقف شتات إجاباتنا وأفكارنا الحائرة بصوتها الهادئ الواثق:
= صحيح أن الكبد موجود في الجهة اليمنى، وهو كبير ومثبت، لكنه ليس هو سبب الارتفاع! هو فعلاً ينزل للأسفل لأنه صلب وثقيل، المعدة هي التي لا تصعد للأعلى لأن القلب الثابت في مكانه يضغط عليها..فالسبب هو “القلب” وليس “الكبد“!
انتهى درسنا،
و..لا أدري لِم شعرت أنه كان بداية للتفكير بدرس في الحياة! وأن قاعدة “القلب” و”الكبد” هذه تنطبق على أشياء أخرى في حياتنا.. <<ياااا للشطحات التي تهرب بها من الطب للحياة -سيكو
/
كثيرة هي المرات التي نعتقد فيها أن شيئاً ما موجود بطريقة ما لسبب معين، ونغفل عن باقي الأسباب الأخرى الممكنة!
أو أننا نأخذ الأمور على ما هي عليه، أو على المنطق الذي سمعنا أنها بنيت عليه، دون أن نحاول حتى التفكير والوصول لما هو منطقي بأنفسنا..
كثيراً ما نركز على “الكبد”/على “الظاهر”/الأقوى/الأكثر شيوعا/ارتفاعاً، وننسى “المعدة” التي كان يجب أن تكون “عالية” -بل وأعلى من الكبد، لولا القلب الذي “منعها“..!
^ هه..لا أتحدث بمنطقية أبداً صح؟! –لا عليكم :P
ذات وطن..

* شكراً لـ”كوكو” على الصورة =)
تجلس كل واحدة منا على حافة سريرها، وبينما تتكئين على الوسادة (لا أدري لِم أتخيلك متكئة!) أتربع أنا ووسادة صغيرة بحضني ما ألبث أن أقذفها عليك..ولا تغريك وسادتي التي على شكل “قلب” بحرب وسائد، تبتسمين فقط وتنتظرينني لأحكي..
- – -
“تعلن الخطوط الجوية…….والمتجهة إلى بيشة……..”
- هاه..ما رأيك أن نغيّر الوجهة لبيشة؟
- أين “بيشة”؟ هنا! في المملكة؟
أضحك حين أراها جادة ولا تمزح..
- متى ستسمحين لي بإعطائك درساً في الجغرافيا؟
- شكراً لا أحتاج! “افلحي في الطب أولاً”
- – -
~ رسالة “استقبال”:
“لا أدري من أين أبدأ الحياة؟!!” –الأديب البرازيلي: ماشاو داووسيس
- – -
أخبرَتني أنها منذ اللمحة الأولى أدركت أن شيئاً ما اختلف فيّ!
لم أخبرها أنني منذ الخطوة الأولى هناك، أدركت أيضاً أنني هذه المرة مختلفة..
مختلفة عن المرة الماضية..
- – -
سألْتِني عن أكثر ما أثار دهشتي هناك، وجعلني أصرخ بـ”وااااو!” سأخبرك:
نافورة المياه التي ترقص!
- – -
تعرفين أنني أمسكت “صقراً”!
حسناً لم أمسكه تماماً، بل أمسكت قطعة جلدية كان يقف عليها و..لمست ريشه!
حسناً،،
أعترف أن عينيه كانتا معصوبتين، ورجليه كانتا مربوطة، لكنه كان “صقراً”!!
أرأيتِ كيف يمكن لابنة المدينة أن تكون “بدوية” جداً!
- – -
~ رسالة “منتصف الطريق”:
“سأموت..
إذا غاب عن خاطري
ثلة الأصدقاء،
يحوكون أحزانهم نجمة
في ظلال البيوت..” -عيسى الشيخ حسن
- – -
كان الشعور جميلاً هناك..
كان استرخاء –لا للجسد فحسب- بل للعقل أيضاً..
كان عقلي وقتها وكأنه “يطفو” على سطح بحيرة، ويشرب عصيراً طازجاً من كأس زجاجية تخرج منها “مظلة” ورقية ملونة كما في الأفلام..
هه..أنت بالذات تعرفين ما معنى أن تسنح لعقلي فرصة أن يكون كذلك! عقلي الذي يفكر حتى حين أنام!
حين عدت، كنت أطلب من الجميع أن يتحدث بتمهل، لأن عقلي مازال مسترخياً واستيعابي “بطيء”!
كنت أشعر أنني غبية! وللمرة الأولى؛ لا أنزعج من الغباء!
- – -
بعد أن يخلو البيت منهم مساء، وأبقى أنا مع “الكبار”، أجدني –لاشعورياً والله، ومن دون قصد- أجلس في زاويتها المفضلة، تلك التي كانت تذاكر فيها..!
أجلس في زاويتها في غرفة “المعيشة”، وفي ركنها في غرفتهم السابقة..!
- – -
كانت ثمة صغيرة هناك لا يتجاوز عمرها عدد أصابع يدها، وبالطبع التصقت بي..
في اليوم ما قبل الأخير، سألتني:
“إنتِ ليش كلّه ليلى!”
فوجئت وضحكت!
الصغار يقولون أشياء سخيفة، صح؟!
- – -
تعرفين ما علامة الجودة السعودية؟!
“مررررة”
هم أخبروني أنهم بمجرد أن يسمعوا كلمة “مررة”(مررة حلو/مررة وحش/مررة ماله داعي/…)، سواء بترقيق الراء كما الحجازيين، أو بتفخيمها كما النجديين، يعرفون أن أصحاب “الـ”مررة” هؤلاء من السعودية..
“مررة مع نفسهم”
- – -
أحب مدينتهم “المرتبة” و”المنسقة” جداً..
المنسقة لدرجة أن الورد الذي نراه في الشارع يحمل لوناً أو لونين فقط في كل أنحاء المدينة، ويتغير بتغير المواسم..
حين كنت هناك،
كان موسم “الموف” و”الفوشي”
يغرونني كثيراً بالبقاء،
بالهجرة..
- – -
تعرفين ما كان أجمل شيء؟!
هو كون الرحلة كلها كانت “عادية”!
لم تكن “إثارة” أو “تجوالاً” دائماً أو “ضيافة”!
كانت أجواء “عادية”..وأنا كنت أحتاج شيئاً “عادياً” =)
- – -
مرة أخرى أحببت ذلك المركز ذو السقف الزجاجي الذي يسمح بنفاذ الضوء..
ومع أن لدينا هنا مركزاً مشابهاً لكن مركزهم أجمل وأكبر..
و..اكتشفتُ أنني أحب الطبيعة –أحياناً- “من خلف الزجاج”!
- – -
~ رسالة “عودة”:
“أنت في وحدتك..
بلد مزدحم!” -روفائيل ألبرتي
- – -
علامة تعجب على جناح الطائرة:
لِم لم أستطع أن أكتب عن رحلتي إلا بقصّها عليك؟! لمه؟!
رحيل يستأذن البقاء..

إيه يا جدة..
من كان يظن أن هواءك الرطب يمكن أن يكون خانقاً لهذه الدرجة!
*
أتعرف؟!
ذلك الشعور..
حين تشعر أنك تحلّق –لا كعصفور يجيد الطيران- بل كغيمة يدفعها الهواء..
لأعلى..
وأعلى..
وأعلى..
ويحررك..
*
أحياناً،،
نحتاج أن ننظر لمحيطنا من بعيد، و..”بضبابية”!
لعل الأمور تصبح أكثر وضوحاً، أو ربما،،
أكثر منطقية..!
*
التفاصيل ((الصغيرة))،
تلك التي –عادة- تُهمل..
هي التي تجعل الأشياء ((الكبيرة)) أجمل !
*
كنت دائماً أقول، ولا أزال:
الأشخاص هم الذين يصنعون الفرق!
لا الأماكن، لا الأشياء،
“الأشخاص”..
*
>> عودة
“ومن حيث خرجتَ فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام..”
نعم، الجميع يتوجهون للقبلة..
نحنُ، لا نتوجه..
نحن “نعود” لها دائماً مهما ارتحلنا..
نعود دائماً ولا نرحل أبداً..
حريــــــق!
تخبرني صديقتي -المتزوجة حديثاً- أنها بينما كانت في زيارة لصديقة، اتصل بها زوجها -المتخرّج حديثاً- ليخبرها أنه وبينما كان يهمّ بالخروج لإحضارها؛ رأى دخاناً يتصاعد من البناية التي يسكنونها!
فاتصل يقول: يبدو أنه سيكون هناك حريق! سأتأخر قليلاً ريثما ألملم شهاداتي وأوراقي الهامة..
^ ألم نقل بأنه متخرج حديثاً ويبحث عن وظيفة
وعلى ذكر الأوراق المهمة، تذكرت صديقتي أغراضها الهامة! فطلبت منه أن يأخذ معه أيضاً “شبكتها” وذهبَهَا ومجوهراتها في “تلك الشنطة الخضراء خلف الخزانة الكبيرة”، وأن يلملم ما بقي من على التسريحة، إممم..ولا ينسى “لاب توبها ال”ماك بوك”،و..أووه صحيح! فستان الفرح طبعاً!! << ألم نقل بأنها مازالت “عرووصة”
فسألها بسخرية لم تنتبه لها: “ومكياجك أيضاً؟!”، ردت بالإيجاب والتأكيد! “المكياج غالٍ”! ليضحك ويخبرها أنه سيجمع المهم فقط، والمكياج حتماً ليس من ضمنه!
موقفها هذا جعلني أفكر؛
ما الذي سننقذه حين لا يمكن إنقاذ إلا القليل من حاجياتنا؟!
هل سنقدّم أشياءنا الثمينة مادياً على تلك التي تعني الكثير معنوياً ؟! أم العكس!
أنا لم أقرر بعد =/ مازلت أفكر…
** ماذا عنكم ؟!
( طبعاً، حمانا الله جميعاً من الحرائق والكوارث! )
بالمناسبة،
بعد أن نقل زوج صديقتي حاجياتهم للسيارة، توجه لصاحب العمارة وصعد معه للسطح لتفقد الأمر، ليكتشفوا أن أحد السكان يقيم حفلة شواء مع عائلته هناك